ابن قيم الجوزية
290
الروح
للإدراك لذلك الجسم لكن إدراكنا لقلبنا ودماغنا غير دائم فهذا إنما يلزم من يقول إنها حالة في القلب أو الدماغ ، وأما من يقول أنها حالة في جسم مخصوص وهو النفس وهي مشابكة للبدن فهذا الإلزام غير وارد عليه فإنه يقول النفس جسم مخصوص والإنسان أبدا عالم بأنه جسم مخصوص ولا يزول ذلك عن عقله إلا إذا عرضت له الغفلة فسقطت الشبهة التي عولتم عليها كل تقدير . فصل قولكم في السادس : إن كل أحد يدرك نفسه ، الإدراك عبارة عن حصول ماهية المعلوم عند العالم وهذا إنما يصح إذا كانت النفس غنية عن المحل إلى آخره . جوابه . أن ذلك مبني على الأصل المتقدم وهو أن العلم عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في نفس العالم ، وهذا باطل من وجوه كثيرة مذكورة في مسألة العلم ، حتى لو سلم ذلك فالصورة المذكورة شرط في حصول العلم لا أنها نفس العلم . وأيضا فهذه الشبهة مع ركاكة ألفاظها وفساد مقدماتها منقوضة فإننا إذا أخذنا حجرا أو خشبة قلنا هذا جوهر قائم بنفسه ، هذا حاضره عند ذاته فيجب في هذه الجمادات أن تكون عالمة بذواتها . وأيضا فجميع الحيوانات مدركة لذواتها فلو كان كون الشيء مدركا لذاته يقتضي كون ذاته جوهرا مجردا لزم كون نفوس الحيوانات بأسرها جواهر مجردة وأنتم لا تقولون بذلك . فصل [ الخيالات ] قولكم في السابع : الواحد منا يتخيل بحرا من زئبق وجبلا من ياقوت إلى آخره وهو شبهة أبي البركات البغدادي ، فشبهة داحضة جدا فإنها مبنية على أن تلك المتخيلات أمور موجودة وأنها منطبعة في النفس الناطقة انطباع النفس في محله ومعلوم قطعا أن هذه المتخيلات لا حقيقة لها في ذاتها وإنما الذهن يفرضها تقديرا وليست منطبعة في النفس فإن العلوم الخارجية لا تتطبع صورها في النفس فكيف بالخيالات المعدومة ؟ فهذه منه مخصة ولا يمنع من وقوع التمييز بين